مؤسسة حياة للتنمية والتعليم

أزمة الأخلاق بين المدارس الدينية: تحليل وتعليل وحلول

تمهيد

🔷 كنت أمس في زيارة لأحد الجامعات .. فقابلت عميد الكلية ودكتورها الفاضل .. فغمرني وأخجلني بأخلاقه الدمثة .

فبعد خروجي من الجامعة اشتعل في قلبي شغف كبير لأتعرف على هذه الشخصية العجيبة .. فقيل لي فيه كذا وكذا .. وهو من منهج كذا وكذا … فبدأت أقارن بين مانعيشه من بعض المنتمين لمنهج وطريقة حضرموت ممن يتبوؤن مناصب من هذه وربما أقل وكيف تكون معاملاتهم وأخلاقهم … وفعلًا تيقنت بعد هذا الموقف أن الأخلاق هي جوهر الدين وروحه وهي المعيار الذي يُقاس به صدق الانتماء إلى أي مدرسة فكرية أو دينية غير أن المراقب للواقع في حضرموت – كما هو الحال في مناطق أخرى – يلحظ تفاوتًا واضحًا في مستوى الأخلاق والسلوك بين أتباع المدارس المختلفة بل قد يجد المرء أخلاقًا راقية عند تيار يُنظر إليه بعين الريبة بينما يفتقدها عند مدرسة لها جذور عميقة في المنطقة مثل مدرسة حضرموت التقليدية هذه المفارقة تثير سؤالًا عميقًا: 📍أين تكمن المشكلة؟ 📍ولماذا ينجح بعض التيارات في صقل أتباعها بالأخلاق بينما تتراجع أخرى في هذا الجانب؟

🔷 *أولاً: مظاهر الإشكال*

ظهور سلوكيات راقية لدى بعض المنتسبين لتيار معين كالاحترام واللطف في التعامل والانضباط الإداري.

📌 ضعف ملحوظ في هذه الأخلاقيات عند كثير من أتباع المدرسة الحضرمية التقليدية رغم عمقها التاريخي والدعوي.

📌شعور الناس بالمفارقة بين ما يُنظَّر له من قيم وما يُمارَس واقعيًّا.

🔷 *ثانياً: الأسباب المحتملة*

1. الجانب التربوي المنهجي:

هذه التيارات تُركّز في برامجها التربوية على “بناء الفرد” من خلال حلقات تربوية ومناهج سلوكية وأنشطة جماعية تصقل الشخصية وتُعزز الانضباط بينما المدرسة الحضرمية – مع ما تملكه من علم وتصوف – قد يغلب عليها الاهتمام بالجانب المعرفي أو الطقوسي أكثر من الجانب السلوكي المنظم.

2. التنافس السياسي والفكري:

انشغال بعض المنتسبين للمدرسة الحضرمية بالصراع الفكري أو الاجتماعي قد أضعف الجانب الأخلاقي، إذ تحوّل “الانتصار للمدرسة” إلى غاية تغطي على ضرورة التربية العملية.

3. الوراثة مقابل الصناعة:

كثير من أتباع المدرسة الحضرمية “يُولَدون داخلها وراثيًّا بحكم الأسرة والبيئة، بينما المنتسب للتيارات الحركية غالبًا ما يختار الانتماء اختيارًا واعيًا ويُمرَّن منذ بداياته على سلوكيات محددة.

4. التأثير الاجتماعي والمؤسسي:

مؤسسات التيارات الأخرى التعليمية والإغاثية والخدمية تعتمد على نظام إداري يفرض سلوكيات راقية في التعامل مع الجمهور بينما المؤسسات التقليدية في حضرموت قد تعاني من ضعف التنظيم والاعتماد على المكانة التاريخية.

5. غياب القدوة اليومية:

على الرغم من وجود علماء كبار في المدرسة الحضرمية إلا أن غيابهم عن الاحتكاك المباشر بالشباب أو انشغالهم قد يضعف أثرهم العملي في حين تعتمد التيارات الأخرى على “قدوات ميدانية” حاضرة في الجامعات والمجتمع.

🔷 *ثالثاً: النتائج السلبية*

📌 فقدان الثقة الشعبية بمدرسة حضرموت رغم عمقها العلمي والروحي.

📌 انجذاب الشباب نحو التيارات الأخرى التي يجدون عندها التواضع والاحترام بغض النظر عن اختلافها الفكري.

📌 اتساع الهوة بين الخطاب الأخلاقي والممارسة الواقعية مما يُحدث نوعًا من الانفصام بين الدين والواقع.

🔷 *رابعاً: الحلول المقترحة*

1. إحياء التربية السلوكية العملية:

تحتاج مدرسة حضرموت أن تعيد النظر في برامجها لتجعل “الأخلاق العملية” محورًا أساسيًّا، لا مجرد دروس نظرية.

2. تفعيل المؤسسات:

بناء مؤسسات تعليمية واجتماعية حديثة تُدار بروح مهنية وتُربي الأفراد على الانضباط والشفافية في التعامل.

3. القدوة الحيّة:

ضرورة أن يكون العلماء والدعاة أكثر التصاقًا بالناس فيُجسّدون الأخلاق في حياتهم اليومية لا أن يظلوا بعيدين في أبراج عالية.

🔷 *4. التجديد في أساليب التربية:*

تبنّي أساليب معاصرة في التربية كحلقات نقاش وأنشطة شبابية ومبادرات خدمة مجتمعية تُمكّن الشباب من ممارسة الأخلاق عمليًّا.

🔷 5. *التكامل لا التصادم:*

تجاوز عقلية الصراع بين المدارس والاعتراف بأن الأخلاق ليست حكرًا على تيار دون آخر بل هي جوهر الدين الذي يمكن أن يكون ميدانًا للتلاقي لا للتنازع.

✨ *خاتمة*

*إن جوهر المشكلة لا يكمن في أي تيار بحد ذاته وإنما في مدى قدرة المدرسة أو الجماعة على صقل أفرادها بالأخلاق العملية وتحويل المبادئ النظرية إلى سلوك يومي بعض التيارات نجحت – إلى حد ما – في هذا الجانب عبر برامجه المنظمة بينما قصّرت مدرسة حضرموت في تفعيل جانب الأخلاق رغم عمقها التاريخي والحل يكمن في أن تعيد كل مدرسة ترتيب أولوياتها فالدين بلا أخلاق جسد بلا روح ورسالة العلماء في كل زمان ومكان أن يكونوا قدوات تُعيد للأمة معناها الحقيقي: “إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق”*.

🖋️ علي جديد

Scroll to Top